أول الخيط


تساقطت الأمطار غزیرة على مبني مكافحة تجارة المخدارات فى مدینة الإسكندریة فى تلك اللیلة من لیالي البرد
القارصفى منتصف شھر ینایر ، مما جعل المقدم ( خالد صلاح ) یفرك یدیة الاثنین بعضھما ببعضفى
محاولة لجلب دفء الحرارة إلى جسده قبل أن یرن ھاتفھ المحمول فیضعھ على أذنھ فى سرعة وھو یقول :
- ھا یا محمود كیف الأمر عندك الان ؟
كان على الھاتف الملازم أول محمود الذى أرسلة المقدم ( خالد) لضبط إحدي عملیات تسلم شحنة من
المخدرات .
قال المقدم ( خالد) فى حزم :
- كما قولت یا محمود لا تھاجموھم الأن ، فقط راقبھم من بعید وأعرف أین سوف یخزنون ھذه البضاعة فنحن
منذ زمن لا نعرف مخباھم الخاص ثم إقبض علیھم ، فقط ضع عیونك علیھم .
أغلق ( خالد) الموبایل ثم إتجھ إلى التلیفزیون الذى یحتل ركناً جانبیا فى حجرتھ ثم ضغط على الریموت
كنترول على قناة معینة لما تلبث أن ظھر على شاشتھا رجل فى أواخر الخمسینات من عمره یتحدث فى ھدوء
ثم ظھر على الشاشة شریط أحمر مكتوب علیھ د/ منیر فخري استاذ الفیزیاء النوویة بجامعة الإسكندریة ، وجاء
صوتھ عبر التلیفزیون
وھو یقول :
- وقد ثبت علمیا أن المادة وأضدادھا على مختلف المستویات قد خلقت بكمیات متساویة عقب عملیة الانفجار
الكوني مما یؤكد حقیقة الخلق من العدم، وامكان الافناء إلى العدم.
مط ( خالد) شفتیھ فى لا مبالاة وھو یقول لنفسھ :
- لازلت یا عماه تلقى ھذه الدروس العلمیة على الناس كل اسبوع فى برنامجك
ثم إبتسم وھو یقول :
- ولكني أشك حقیقة أن أحداً یفھم شیئاً مما تقول و..
قطع إسترسال ( خالد) رنین ھاتفھ المحمول مرة أخرى لیأتیھ صوت الملازم ( محمود) قائلاً
- لقد عرفنا المكان یا فندم ..
قال ( خالد ) فى سرعة :
أین یا محمود ؟!
قال محمود فى لھفة :
- مفاجأة یا فندم .. مفاجأة لم نكن نتوقعھا .
((٢))
لم یكد الدكتور (منیر فخرى) ینتھى من تسجیل حلقتھ التلیفزیونیة حتى ھرع إلیھ عمال الأستدیو مھنئین لھ على
تلك الحلقة الرائعة ثم إقترب منھ بطء رجل طویل القامة قمحي اللون مد یده إلیھ مصاحفاً قائلا فى تبسم :
- كانت حلقة أكثر من رائعة یا دكتور .
إبتسم ( منیر) فى ھدوء قائلاً
- شكرا جداً
قال لھ الرجل معرفاً بنفسھ قائلاً
- أنا ( أحمد محسن ) الأستاذ المساعد فى كلیة العلوم قسم الفیزیاء
إبتسم ( منیر) قائلا :
- أھلا وسھلا یا استاذ أحمد أى خدمة یمكن أن اقدمھا لك .
قال ( أحمد ) فى لھفة :
- بالتأكید یا دكتور فإنت علمتنا الكثیر ومما تعلمتھ منك أننا لا نستسلم أبداً للخرافات وأن كل شىء غیر مفھوم
الان حتماً لھ تفسیر علمي وإن لم تدركھ عقولنا .
ثم تنھد ( أحمد ) بطء ثم قال :
- وھذا یا دكتور ھو مربط الفرس ؟
قال ( منیر ) متسائلاً :
- ماذا تعني ؟
قال ( أحمد) فى سرعة :
- ھل سمعت بتلك العمارة ، عمارة الرعب یا دكتور فى الإسكندریة

(( إذن فھذا ھو المخبأ الذى كنا نبحث عنھ منذ زمن ))
قالھا المقدم ( خالد) إلى الملازم ( محمود) وھم یحیطون مع مجموعة كبیرة من رجال المكافحة بعمارة مھجورة
فى إحدى مناطق الاسكندریة الشھیرة مما جعل الملازم ( محمود) یرد فى توتر
- نعم .. ھذا ھو المخبأ ھذه العمارة رغم ما یحیط بھذه العمارة من أقاویل
ضحك ( خالد) بصوت عالي ساخراً
- أتقصد العفاریت وما یتناقلھ الناس من أحادیث عجیبة حول تلك العمارة ، یا صدیقى لو لم یكن ھناك وجود
للعفاریت لأخترعھ الناس لیفسروا بھ كل شىء مجھول بالنسبة لھم .
ھز ( محمود) رأسھ متفھماً وھو یقول :
- بالضبط یا فندم ..
سألھ ( خالد) :
- ھل كلھم الان داخل العمارة ؟!
قال ( محمود) فى سرعة :
- نعم .. كلھم بالداخل دخلوا من الباب الخلفي حتى لا یلمحھم أحدا وما زال رجالنا محیطون بتلك العمارة من
جمیع الجوانب لا تخرج منھا نلمة دون علمنا .
تنھد ( خالد) فى إرتیاح قائلاً
- ھذا جید
ثم نظر إلى ساعتھ التى تجاوزت الثانیة عشرة بعد منتصف اللیل ثم قال :
- الأن یا ( محمود ) أصدر أمر الاقتحام لجمیع رجالنا .
أصدر ( محمود ) أمر الاقتحام عبر دائرة الاتصالات الالكترونیة التى تربطة برجالھ وبالفعل لم تمضى ثوان
حتى كانت جحافل من رجال الشرطة تقتحم تلك العمارة القدیمة ، كانت عبارة عن عمارة من ٤ طوابق فى كل
طابق شقتین ، كانت ھناك اثار لأقدام تجار المخدرات الذین دخلوا منذ فترة إلى العمارة والتى كانت تنتھي عند
إحدي شقق الدور الثاني إقتحمھا رجال الشرطة وھم یشیرون بمسدساتھم فى كل مكان وبطریقة معینة وفق
خطة تدریبیة ولكن الغریب أن الشقة كانت خالیھ تماما من أى أثر للرجال أو للبضاعة، أنطلق رجال الشرطة
یفتشون كل شبر داخل العمارة یبحثون عن انفاق أو منافذ سریة ولكن لم یكن ھناك أى أثر لأى شىء لا الرجال
ولا المخدرات بإستثناء تلك الاثار التى كانت تشیر إلى مكان انتھاء وجودھم إلى شقة الدور الثاني مما جعل
المقدم ( خالد) كالمجنون وھو یھتف بمساعده صارخاً :
- كیف ھذا یا محمود ألم تقل أنك ورجالك محیطین بتلك العمارة ولم یخرج أى أحد ؟
إبتلع ( محمود) ریقھ فى صعوبة قائلا فى توتر :
- ھذا ھو ما حدث بالفعل لم یخرج أى منھم .
ضرب ( خالد) باب السیارة برجلھ صارخاً
- فكیف خرجوا إذن ؟ ھل خرجوا ھم وبضاعتھم أمام أعینكم وأنتم لم تشاھدوھم .
قال ( محمود) نافیاً :
- ھذا مستحیل .. مستحیل .. ھناك شیئ ما .. لعلھ نفق أو مدخل ومخرج سري .
ھز ( خالد ) رأسھ نافیاً قائلا :
- قد علمت أن ھذا غیر صحیح وقد فتشنا كل شبر لأكثر من ساعتین ولم نجد أى شىء
ما الأمر إذن ؟ أین ذھب ھؤلاء ؟!
وبقى سؤال ( خالد) معلقا فى الھواء ولم یجاوب ( محمود ) لأنھ لم یكن یعرف الاجابة بل أنھ كان یسأل نفسھ
نفس السؤال أین ذھب ھؤلاء المجرمون ؟!
((٤))
( ما الذى ترید أن تقنعني بھ بالضبط.. أن تلك العمارة التى تتحدث عنھا ھى مأوي للعفاریت ، ماذا دھاك یا
أستاذ أحمد ؟!!)

قالھا الدكتور ( منیر) وھو ینظر إلى ( أحمد محسن ) الذى أخذ یفرك یدیھ فى قلق وتوتر ثم قال لھ :
- أنا لم اقل ھذا مطلقاً یا دكتور ( منیر ) كنت أشرح لك فقط ما یتناقلھ الناس حول تلك العمارة من إنھا تقع فى
شارع رئیسى فى الاسكندریة ولا یعرف لھا صاحب ومازالت مھجورة إلى الان لا یسكن فیھا أحد منذ أكثر من
٢٠ سنة والناس تقول فیھا حكایات غریبة عن العفاریت التى تسكنھا و...
قاطعة ( منیر) وقد بدا علیھ شىء من الضیق :
- ھل تضیع وقتي من أجل أن تحكي لي تلك الخزعبلات التى یتنافلھا الناس و...
وھنا جاء دور ( أحمد) لیقاطعة قائلاً فى سرعة :
- ولكن ھناك حالات إختفاء مسجلة فى محاضر الشرطة منذ أكثر من ١٠ سنوات
ثم تراجع فى مقعده وقد شبك اصابع كفیھ أمام وجھھ قائلا :
- وھى لیست حالات فردیة .
إتعقد حاجبا ( منیر) فى شدة وھو یقول لھ :
- ما الذى ترمي إلیھ بالضبط یا أستاذ ( أحمد ) ؟! لا أظنك أنك ضیعت من وقتي أكثر من ساعة لتثبت لي أن
العفاریت ھى وراء ما تزعمھ ؟!
إبتسم ( أحمد) فى توتر وھو یقول :
- بالطبع لا یا دكتور الأمر لیس عفاریت ھناك شىء مجھول یتم فى تلك العمارة ، حالات الاختفاء التى تتم
داخلھا دون العثور على بقایا لجثث أو بقعة دم واحدة ألا یثیر ذلك فیك یا دكتور ( منیر ) عقل عالم الفیزیاء
النوویة الذى لا یوجد لھ مثیل فى مصر كلھا !
إنعقد حاجبا الدكتور ( منیر ) فى شدة دون أن ینطق مما شجع ( أحمد) على الإستطراد وھو یخرج من حقیبتھ
الیدویة مجموعة من الصور قائلاً
- أنظر إلى ھذه الصور یا دكتور ؟!
أخدھا منھ دكتور ( منیر ) وتطلع إلیھ ثم قال فى لا مبالاة :
ما علاقتھا بالعمارة ؟! .. DE- - إنھا صور للسفینة 173
قال ( أحمد ) :
- نعم ھى صور لتلك السفینة ما معلوماتك عنھا یا دكتور ؟!
قال ( منیر) فى سرعة :
- إنھا سفینة في منطقة فیلادلفیا في القاعدة البحریة ھناك حیث اجتمع الربان والطاقم وبعضالمدنیین حیث
كانت ھناك بالإضافة إلى ھذه السفینة سفینتان محملتان بالأجھزة التي تقوم ببث طاقة ما نحو السفینة وبعد ذلك
بدأ التأثر واضح أولاً بدأ الأمر كأزیز ینتشر في الھواء من ثم تحول إلى طنین قوي ثم إلى ارتجاج عنیف وبعد
ذلك ظھر ضباب رمادي خفیف أحاط بالسفینة وعندما أختف الضباب كانت ... كانت ..
قال ( أحمد) فى لھفة :
- كانت ماذا یا دكتور ؟!
قال ( منیر ) فى توتر وھو یبتلع ریقھ :
- كانت السفینة قد إختفت تماما ولم یبق لھا أى أثر على الماء .
ثم إتسعت عینا ( منیر ) فى ذعر وھو یقول
- ھل تقصد أن العمارة یمكن أن تكون ... أن تكون ..
ولم یستطع إكمال العبارة مما جعل ( أحمد) یغلق عینیھ فى ھدوء وھو یومأ برأسھ فى علامة الایجاب وكأنھ فھم
ما یعنیھ الدكتور ، وكان الأمر حقاً خطیراً .
((٥))
كان المنظرغریباً لسكان ذلك الحي الراقي من أحیاء الإسكندریة فھم منذ زمن طویل لم یتعودوا أن تھتم الشرطة
بتلك العمارة رغم وجودھا لأكثر من ٢٠ سنة محل للغموض وللرعب أیضاً فلذلك عندما إقتحم المقدم ( خالد)
المكان كانت فرصھ حقیقیة للناس أن ترى بأعینھا ماذا یمكن أن یحدث لھؤلاء المتقتحمین لعمارة الرعب ،
ولكن لم یحدث أى شىء ورغم ذلك لم تتزحزح فكرة العفاریت عن رؤوسھم قید أنملة ، لذلك كان ھناك شعوراً
عاماً بالإرتیاح لدى كثیر من سكان ھذه المنطقة عندما وضع المقدم ( خالد) إثنین من العساكر الحراسة حول
تلك العمارة ، وكأن ھؤلاء العساكر یمكن أن یحموھم من تلك العفاریت التى یعتقدون أنھا تسكن تلك العمارة
ورغم ذلك لم یكن أى من الحارسین ( عبد العاطي ) و ( حسنین ) یضع فى رأسھ تلك الخزعبلات التى یتناقلھا
الناس ، وبدأ كل واحد منھم یراقب جیداً ولا یھتم بنظرات الناس ، كان المقدم ( خالد) قد وزعھم على المدخلین
ف ( عبد العاطي) على المدخل الرئیسى و( حسنین ) على المدخل الخلفي ، وبینما كان ( عبد العاطي) جالساً
على دكة أمام باب العمارة الأمامي فوجىء ب ( حسنین ) یأتي إلیھ مما جعل ( عبد العاطي) یسألھ فى توتر :
- ھل حدث شىء ما یا ( حسنین)
أشار لھ ( حسنین ) بیده قائلاً
- لا تقلق لم یحدث شىء .
قال لھ ( عبد العاطي):
- ما الذى جعلك تترك مكانك ؟
قال لھ ( حسنین) فى ضیق
- نسلى وقتنا فى ھذا البرد القاتل ..
ثم إبتسم ساخراً قائلا :
- یبدو أن وحشة المكان لم تكن كافیة لیضاف إلیھا وحشة الجو فى تلك اللیلة العجیبة
برقت السماء فجأة بشعاع من نور بلا صوت أضاء ظلمة المكان للحظات ممل جعل ( عبد العاطي) یقول :
- صدقت ولكن ھذا قد یعرضنا للعقاب معاً ..
جذب ( حسنین ) كرسیاً لیجلس بجواره قائلا :
- ومن یُعلم المقدم ( خالد) .!
إبتسم ( عبد العاطي ) قائلا :
- صدقت
وھنا إنفجرت السماء بدوي ھائل من صوت الرعد وتساقطت الامطار بشكل غزیر مما جعل (حسنین) ینظر
إلى أعلى فى شكل تلقائي ثم شھق فى رعب مما جعل ( عبد العاطي) ینظر إلى أعلى وھو یقول لھ :
- ماذا ھناك ؟!
إبتلع ( حسنین ) ریقة فى صعوبة وھو یقول لھ فى بصوت مبحوح
- الضوء الاخضر .. لقد رأیت ضوءاً أخضر یخرج من شرفة الدور الثاني للحظات .
إبتسم ( عبد العاطي) قائلاً
- لا علیك یا رجل لعلھ ضوء الرعد ؟!
قال لھ ( حسنین) :
- وھل ضوء الرعد أخضر ؟ ولماذا رأیتھ یخرج من شرفة الدور الثاني ولم أره فى السماء؟
قال ( عبد العاطي) فى ارتباك :
- لعلھا خدعة بصر ..
قال لھ ( حسنین)
- لا أظن
ثم نھض من على كرسیھ متوجھا للباب مما جعل ( عبد العاطي ) یھتف بھ
- إلى این رجل ؟!
قال لھ ( حسنین ) وھو متجھ نحو السلالم :
- اقطع الشك بالیقین
ثم ضحك وھو یصعد قائلا لھ :
- ولا تخشى عليّ من العفاریت بل أخشى علیھم مني
ثم أنفجر ضاحكا ولكن ( عبد العاطي ) لم یبادلھ تلك الضحكة كان ھناك شىء لا یریحھ لا یدري ما ھو ولكنھ
شعور.. فقط شعور.. لعل اللیلة الممطرة بظلامھا ھى سبب ذلك الشعور ، ھكذا ھو حاول أن یبرر لنفسھ إلى أن
سمع صرخة مدویة ھزت أرجاء المنطقة الصامتة ، كانت صرخة قادمة من الدور الثاني ، ومیز ( عبد العاطي)
تلك الصرخة إنھا صرخة صدیقة
( حسنین) ، وعلى الفور أخرج ( عبد العاطي) مسدسة المیري وإتجھ مسرعاً نحو الدور الثاني ثم إقتحم الشقة
وھو یدیر مصباحھ الكھربائي فى أرجاء المكان لعلھ یرى شیئا ، ولكن العجیب لم یكن ھناك أى اثر لحسنین
على الاطلاق بإستثناء فردتین من حذاءه كانتا ملقیتان بجوار الحائط وبسرعة أخرج ( عبد العاطي) جھازه
اللاسلكي قائلا فى سرعة وھو ینھج :
- ألو ..عملیات .. ألو عملیات ..تطور خطیر فى المنطقة ( ج)
جاءه صوت المقدم ( خالد) عبر اللاسلكي :
- ماذا ھناك یا عبد العاطي ؟!
قال لھ ( عبد العاطى ) وھو ینھج :
- حسنین یا فندم ..
جاءه صوت ( خالد)
- ماذا بھ؟
قال لھ ( عبد العاطي)
- إختفى یا فندم .. إختفى تماما .

تعليقات